الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
480
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« إذ » على حكاية الحال الماضية ، استحضارا لها . « أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ » على عبادتكم لها « أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) » من أعرض عنها . « قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) » : أضربوا عن أن يكون لهم سمع ، أو يتوقّع منهم ضرّ أو نفع ، والتجأوا إلى التّقليد . « قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) » « أَنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ ( 76 ) » : فإنّ القدم ( 1 ) لا يدلّ على الصّحّة ، ولا ينقلب به الباطل حقّا . « فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي » : يريد أنّهم أعداء لعابديهم ، من حيث أنّهم يتضرّرون من جهتهم ، فوق ما يتضرّر الرّجل من جهة عدوّه . أو أنّ المغريّ بعبادتهم أعدى أعدائهم ، وهو الشّيطان . لكنّه صوّر الأمر في نفسه ، تعريضا لهم - فإنّه أنفع في النّصح من التّصريح - وإشعارا بأنّها نصيحة بدأ بها نفسه ، ليكون أدعى إلى القبول . وإفراد العدوّ لأنّه في الأصل مصدر ، أو بمعنى النّسب . « إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) » : استثناء منقطع . أو متّصل ، على أنّ الضّمير لكلّ معبود عبدوه ، وكان من آبائهم من عبد اللَّه . « الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) » : لأنّه يهدي كلّ مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد - كما قال ( 2 ) : والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى - هداية مدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله ، يتمكّن بها من جلب المنافع ودفع المضارّ . مبدؤها بالنّسبة إلى الإنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطَّمث من الرّحم . ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنّة والتّنعّم بلذائذها . والفاء للسّببيّة ، إن جعل الموصول مبتدأ . وللعطف ، إن جعل صفة « رَبَّ الْعالَمِينَ » . فيكون اختلاف النّظم ، لتقدّم الخلق واستمرار الهداية .
--> 1 - م ، ن : التقدّم . 2 - الأعلى / 3 .